إن وحدة المسلمين مقصد إسلامي جليل تتصدَّر أهم مقاصد التشريع، لقطعية دلالتها على وحدة الخالق سبحانه وتعالى، ووحدة شريعته، ووحدة عبادته، ولثبوت وجـوبها، إذ يـقول فـي محـكم التـنزيل : { إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعـبدون }(1)، كما يقول في آية أخرى : { وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون }(2)، لذلك فإن التقريب في دلالته ومفهومه، هوجمع الأمة الإسلامية على الأصول الكلية، والثوابت الراسخة المستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة، ودعوة عملية منهجية تستهدف الوقوف أمام ظاهرة الاختلافات المذهبية، خشية خروج المقلدين من مسارها المشروع، وخوفاً من تفرق المسلمين في دينهم، وحفاظاً على جوهر الإسلام، وامتثالاً لقول الله سبحانه وتعالى : { وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين }(3).
وتأكيداً لما يوحّد المعرفة الصحيحة عن الإسلام والمسلمين، وفق ا لثوابت الإسلامية المستمدة من أصوله ومرجعيته الأساس، ولتضييق هوة الاختلافات المذهبية، فقد حرصت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، من منطلق أهدافها، على السير قدماً نحوتحقيق ما يصبو إليه عالمنا الإسلامي، وصولاً إلى أهدافها الرفيعة، وغاياتها النبيلة، وبغرض سدّ الذرائع المختلفة، التي استغلها أعداء الحقيقة الإسلامية ، وصدّاً للهجمات المتتالية التي يتابع إطلاقها ونشرها خصوم الإسلام.
وفي هذا الإطار الساعي إلى التقريب بين المذاهب الإسلامية، تم إعداد هذه الاستراتيجية، على أسس علمية وفكرية، مجردة عن المؤثرات العاطفية، والتحيز المذهبي، وبأسلوب مرن محكم، يجعله ــ بعد إقراره ــ ممكن التحقيق، قابلاً للبرمجة والتطبيق، إذ روعيت في هيكلته شروط وضوابط متكاملة، وتم وضعه في إطار الممكن والمقبول، وفي نطاق المرتكزات التالية :
أولاً : شروط سلامة استراتيجية التقريب
وتتمثَّل في التالي :
1. حسن النية، وسلامة الطوية، فعليهما تبنى المقاصد وتتحقق الأهداف، وبهما يتم تشخيص سبل التقريب بين مختلف الفرق والمذاهب الإسلامية.
2. الحوار، ويعتبرالحوار الهادف شرطاً ضرورياً، لما له من أهمية قصوى، بل هو شرط أساس لا يمكن تجاهله في أي مرحلة من مراحل تنفيذ هذه الاستراتيجية ووسائل تحقيق التقريب، ومن أجل أن يكون الحوار فاعلاً ومؤثراً، فإنه يرتكزعملياً على المسلمات العلمية والأسس المنطقية التالية :
أ) أن يكون المرجع في كل القضايا هوالقرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة، باعتبار أنهما أصل مصادر التشريع الإسلامي بالإجماع، كما أنهما منطلق كل تَحَاوُرٍ بين المسلمين.
ب) أن يبنى حوار التقريب على التسامح، ونبذ كل أشكال العصبية، والانتماءات المذهبية الضيقة، اللهم إلا الانتماء إلى تعاليم الإسلام الصحيحة.
ج) أن يقتصر الهدف على مقصد التشريع الإسلامي وهوالتقارب، ونبذ ما يؤدي إلى التنافر والتضاد.
د) أن تكون أصول التشريع المتفق عليها مصدرالحكم في مسائل العبادات وقضايا المعاملات، التي تأتي مرجعيتها بعد الكتاب الكريم، والسنة النبوية.
3. أن يستعان في تطبيق هذه الاستراتيجية بالفقهاء المتميزين من علماء المذاهب الإسلامية، والأساتذة الباحثين المتخصصين.
4. أن تتبنى الحكومات والهيئات والمنظمات الإسلامية والفقهاء المتخصصون دعم خطط هذه الاستراتيجية وبرامجها، وإنجاح نشاطاتها المحلية وغير المحلية.
5. أن تسهم المنظمات الإسلامية، الحكومية وغير الحكومية، والجمعيات ذات الصلة بميادين العمل الإسلامي، في ترجمة هذه الاستراتيجية إلى أعمال وأنشطة تحقق للمسلمين مقاصد التشريع الإسلامي.
ثانياً : الأسس الفكرية والعلمية للتقريب
ترتكز استراتيجية التقريب التي تعد الأولى من نوعها في هذا المجال المهم، على أسس فكرية ومنطلقات علمية، ومرجِّحات عقلية ونقلية، يأتي في مقدمتها ما يلي :
1. تأكيد نقاء الشريعة الإسلامية، وخلو مصادرها الأساس من الاختلافات الفكرية المناقضة لأساس الشريعة والعقيدة، وتأكيد أن جوهر الإسلام بمقوماته وثوابته واحد، نزل به الروح الأمين، من لدن رب حكيم واحد، وعلى لسان نبي واحد، وبدستور محكم واحد.
2. التأكيد على أن أحكام المسائل التشريعية التي تجمع المذاهب وتوحدها، والتي تلتقي حولها الاجتهادات الفقهية، كثيرة جداً، يصعب حصرها في صفحات هذه الاستراتيجية، لكنها ترد مفصلةً في مصادر التشريع، وكتب الفقه الإسلامي.
3. وهنا لابد من الإشارة إلى ما أكدته الدراسات التاريخية وأوضحته البحوث العلمية، من أن المسائل الفقهية الخلافية قد تكونت منها ثروة فقهية وفكرية عالية وغالية، حَرِيةٌ بالاهتمام بها وبتعلمها ونشرها، وأنها على سبيل الإجمال، وإن كانت ظنية اجتهادية، لم تخرج عن مصادر التشريع الإسلامي الأساس، ولكنها نتاج فَهْم النصوص وتفسيرها، أو ثبوت الحديث الوارد فيه النص. وتجدر الإشارة إلى أن الصـحابة الـذين كانوا يجتـهدون ويعـملون عقـولهم عـند ورود النص، كانوا مع ذلك وعلى مسمع ومرأى من رسول الله صلى الله عليه و سلم، أشد حرصاً على الأخذ بالدليل القرآني واتباع سنة الرسول الكريم، إذ كان الرأي الاجتهادي لديهم تشريعاً في أضيق الحدود، ولا يتعدى كونه حكماً ظنيَّ الدلالة، وليس بحكم قطعي، ولذلك لم يتفرقوا مذاهب. ومع توالي الأيام، وتتابع انتشار الإسلام واتساع رقعته، ومع بروز المستجدات على الساحة الإسلامية وتطور حياة المسلمين، فقد كان حينذاك أمراً ضرورياً أن يحمي العلماء والفقهاء الإسلامَ من نفثات المندسين فيه، ومن جهل الجاهلين به، وذلك ما فعلوه عند انطلاق تدوين الأحاديث، وجمع أدلتهم الفقهية، وتوسيع قواعد الاجتهاد.
وهذا ما يؤكد أن جوهر الاختلاف الفقهي كان أساسه طلب الحق ؛ إذ فتح للناس باب التوسعة والرحمة، في إِعمال الدليل وفق ما وصل اليه أئمة الفقه المجتهدون، الذين لم يكونوا يسعون إلى أن يقلدهم غيرهم.
لذلك فإن من غايات هذه الاستراتيجية، أن تتبين نوازع الاختلافات المذهبية الإسلامية، ليتم الوقوف عليها والعودة بها إلى مصادرها الصحيحة، تحقيقاً للهدف الأسمى المتمثل في إعادة اللُّحمة بين أبناء الإسلام في ظل التشريع الصحيح، ليتمكن المعنيون في عالمنا الإسلامي بهذه الخطوة، من تحديد معالم الطرق العملية، والإجراءات التنفيذية، ووضع رؤية إسلامية عملية، تنطلق في آفاق المعرفة مستهدفةً قلوب المسلمين ومشاعرهم، للَمِّ شملهم وجمع كلمتهم، روحياً، وعلمياً، وثقافياً، وحضارياً، وصولاً إلى تحقيق أهداف التقريب في وحدة الأمة الإسلامية، المرتكزة على وحدة العقيدة ووحدة التشريع.
من ذلك المنطلق يتبين أن للتقريب بين المذاهب الإسلامية أبعاداً عظيمة وغايات جليلة وأهميات قصوى.
ثالثاً : أهمية التقريب بين المذاهب الإسلامية
تنطلق أهمية التقريب بين المذاهب الإسلامية من مكارم الشريعة الغراء، ومن مدلولات التشريع، ومقاصده الرامية إلى توحيد كلمة المسلمين وفق الأمر الإلهي الذي أعربت عنه الآية الكريمة : { واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها }(4)، وغيرها من الآيات القرآنية الكريمة الدّالة على وجوب الاعتصام بالسبل المنجية من التمزق والتشرذم، والحاثة على التمسك بهدي الله السليم ونهجه القويم.
كمـا تنطــلق هـذه الأهمـية مـن مقتضيات حال المسلمين وواقعهم، ومما تحتمه مصلحتهم المشـتركة من وجوب التعاون والتآزر، الأمر الذي استدعى وبشكل محكم ومنظم، وضعت هذه الاستراتيجية، في إطار مشروع حضاري، استمد فلسفته من ضرورة دينية، ورؤية موضوعية تستهدف مصلحة المسلمين في الحال والمآل، إيماناً من المسؤولين في المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، واقتناعهم >بأن المشاريع الحضارية لا تبلغ شأوها وتحقق أهدافها إلا بقدر الخطط والاستراتيجيات التي يستند إليها مسارها<(5). ومن تلك المنطلقات وأمام ما يبرز أمام العالم الإسلامي من تحديات جسام، تأتي ضرورة مواصلة الجهد والعمل من أجل التقريب، لاسيما وأن المسلمين اليوم أشد ما يكونون احتياجاً إلى هذه الاستراتيجية، التي ستصل بالعمل الإسلامي إلى ترسيخ مبدأ التآلف والتقارب، ونبذ الاختلاف بأسهل السبل، وأيسر الأساليب ، ليصبحوا كما أراد الله سبحانه وتعالى : { خير أمة أخرجت للناس }، إخوة في الله، متحابين غير متفرقين ولا متنازعين، ينعمون بوحدة التشريع، ويرفلون في حلل الدين القويم.
وإذا ما أعطيت الاستراتيجية حقها من التنفيذ والمتابعة، فإن مسألة التقريب التي جسدتها، في كامل بنيتها التنظيمية، ــ مقدمةً وأهدافاً وأسساً ومضامين ووسائل ــ ليست بمستعصية الحل ولا صعبة المنال، خصوصاً وقد ارتكزت على الأسس الرئيسة التي سبقت الإشارة إليها.
وإن من شأن التقريب بين المذاهب الإسلامية، أن يضيّق هامش الفرقة بين أتباعها، وأن يقوي اللحمة الإسلامية ويجذرها في قلوب المسلمين، وبدون ذلك تتضاعف المشكلات الاجتماعية وتتكاثر الاضطرابات الفكرية، ويختل الأمن الاجتماعي والاقتصادي، وتتسع رقعة الاختلافات. ومن هنا يتبين أن التقريب يعدّ أحد مرتكزات الاستقرار الشامل، الذي تشتدّ حاجة المسلمين اليوم إليه، لتحقيق حياة إسلامية أرغد، وعيش إيماني أهنأ، في جوّ من التكامل والتعاضد والتناصر، مما سيتيح للأمة الإسلامية أن تجد لها مكاناً في الحياة المعاصرة، وتتمكن بتقاربها وتكاملها من الحفاظ على ذاتيتها وهويتها، وتستطيع أن تقي نفسها ومقدراتها ومستقبلها، من أي هيمنة، لاسيما وأن لديها من المقومات الحضارية والتاريخية والتشريعية والإنسانية، ما ليس لدى غيرها من الأمم.
رابعاً : فضل التقريب في استقرار الأمة الإسلامية وتماسكها
يعدّ التقريب بين المذاهب الإسلامية عاملاً مهماً في تضييق رقعة الخلافات والحدّ من انتشار ظاهرة التعصب المفضية إلى التفرقة والفتن، وجسراً متيناً لترسيخ قيم الائتلاف والتسامح واتباع صراط الرشاد الهادي إلى تماسك الأمة وتدعيم عناصر وحدتها، وهو ما أكده المنهج الإلهي في قوله تعالى : { وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصَّاكم به لعلكم تتقون }(6).
خامساً : مسؤولية التقريب في العالم الإسلامي
إن أمر القيام على التقريب يقتضي وجود أجهزة ومؤسسات ومجالس وهيئات، حكومية وغير حكومية، يُسْنَدُ العمل فيها إلى فقهاء مبرزين وعلماء متخصصين.
ومن تلك الأجهزة والمؤسسات ما هو قائم فعلاً وأدى ولا يزال يؤدي دوراً كبيراً وفاعلاً في مضمار التقريب، ومنها ما سيتم إحداثه وتكوينه في إطار أنشطة هذه الاستراتيجية، سواء تكوّنت داخل البلدان الإسلامية، أو ضمن هيكلة المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، مع التسليم بأن الموجود والقائم منها فعلاً، بحاجة إلى التكامل والتنسيق العلمي والفني مع الجديد، وخصوصاً مع المهتمين بقضايا التقريب.
وعلى مستوى الأداء، فإن مسؤولية التقريب بين المذاهب لا ينبغي أن تقتصر على ما هو قائم من أجهزة ومؤسسات نشطة، ولا على ما يمكن أن يتم إنشاؤه من مجالس أوهيئات، تحت رعاية المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، بل لا بد أن تسهم فيها الوزارات والمؤسسات الحكومية التي لها صلة بميادين الفكر والثقافة والإعلام، وشؤون الدين الإسلامي، كوزارات الأوقاف والشؤون الإسلامية، والثقافة، والإعلام، بكل مؤسساتها ووسائلها، ووزارات التربية والتعليم، والتعليم العالي، إضافة إلى المجامع العلمية الإسلامية، وغيرها من الأجهزة والمعاهد العاملة في ميادين التوجيه الديني والثقافي، جنباً إلى جنب مع الجامعات والمعاهد الإسلامية المتخصصة، والهيئات، والنقابات التي لها نشاط في محوالأمية الدينية، ومحوالأمية الثقافية، وأي جهة لها صلة واتصال بتنفيذ هذه الاستراتيجية، ومنها المنظمات العربية والإسلامية والدولية.
ويأتي في الطليعة دورُالمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، -إيسيسكو-، بل إنها المسؤولة الأولى لاعتبارات علمية، وتنظيمية مهمة، ولأنها المصدر الذي انبثقت عنه هذه الاستراتيجية.
بهذا تكون مسؤولية التقريب مسؤولية جماعية، يشترك فيها العالِم والمثقف والفقيه والأديب، والداعية، ورجل الإعلام والصحافة، إلى جانب الأجهزة والمؤسسات الرسمية والشعبية. وتتطلب هذه المسؤولية ما يلي:
1. تخطيط عمليات التقريب والسهر على تنفيذها مع تبنّي استراتيجيات محلية منبثقة من أهداف هذه الاستراتيجية الأم ومضامينها.
2. إعداد البرامج والأنشطة القابلة للتنفيذ على المستوى الوطني وربطها بالأنشطة المماثلة في بلدان الدول الأعضاء، وتطوير أنشطتها وإذكاء حيويتها.
3. تنمية علاقات التعاون والتكامل مع الهيئات المماثلة في البلدان الشقيقة، ومع المنظمات والهيئات ذات العلاقة،وطنياً وعربياً وإسلامياً.
4. الإسهام في إعداد حَمَلَة رسالة التقريب وتدريبهم على نشر ثقافته وفق أسس إسلامية وحدوية صحيحة وسليمة.
سادساً : الاختلاف في الأصول والفروع
إن الحقيقة التي أجمعت عليها الأمة ـ والتي تعزّزها هذه الاستراتيجية في العديد من صفحاتها ـ هي أن الفقه هو علم الفروع، وأن كل المذاهب الفقهية الإسلامية، دون استثناء، قد وقفت اجتهاداتها وتمايزاتها واختلافاتها عند الفروع، وأن هذه الاختلافات الفقهية، قد مثلت سعةً ورحمةً وغنًى وثراءً في الاجتهاد، مجسدة بذلك التنوّعَ الطبيعيَّ في مناهج النظر الفقهي، والاستجابة المناسبة لتنوّع واقع الأمة ومصالحها عبر الزمان والمكان.
إنَّ فقـهاء الأمـة، الـذين أسـسوا هـذه الـمذاهـب الفقــهية، وكـذلك الــذين طـوّروها وأغـنوا اجتـهاداتها، قد تتـلمذوا عـلى المـخالفين لهـم فـي المــذهب الفــقهي، حـدث ذلك مـع أبي حنيفة (150-80هـ/767-699م) وجعفر الصــادق (148-80هـ/765-699م) والشـافـعي (204-150هـ/820-767م) ومالك (179-92هـ/795-712م) وأحمد بن حنبل (241-164هـ/855-780م) وزيد بن علي (122-79هـ/740-698م) والعشرات من أعلام مذاهبهم، ولقد تركوا لنا المأثورات الشاهدة والقاطعة على أن معيار اختلافاتهم إنما هو "الخطأ" ـ الذي فيه أجر ـ أو "الصواب" ـ الذي فيه أجران ـ وأنه لا علاقة لهذه الاختلافات الفقهية والتمايزات في الاجتهادات بأي من أسباب القطيعة، ونفي الآخر، التي اتخذت وتتخذ من "التكفير" و"التفسيق" معايير للخلاف والافتراق.
إذا كان هذا هو حال الاختلاف والتنوّع في المذاهب الفقهية ـ وهو الذي تعترف به هذه الاستراتيجية، فإن المذاهب الفقهية الإسلامية لا يمكن أن تكون ـ إجمالاً ـ هي ميدان التقريب المنشود دون تحديد منهجيّ دقيق لمفهوم التقريب المبتغى. بل ربما كانت الأمة في حاجة إلى المزيد والمزيد من فضاءات التنوّع الفقهي، حفزاً للهمم على الاجتهاد الذي ركدت ريحه، واستنفاراً لمَلَكَات الإبداع الفقهي، الذي يعاني من الضيق والتضييق.
إن عالم الفقه الإسلامي ودارسه والمنتفع به ـ على اختلاف مذاهب هذا الفقه ـ لا يشعر أي منهم بأن هناك "مشكلة" بين هذه المذاهب، فضلاً عن أن تكون هذه "المشكلة" ضارة بوحدة الأمة الإسلامية ؛ ففضلاً عن أن مسائل الاختلاف بين هذه المذاهب الفقهية محدودة، فإنها قد مثلت ولا تزال تمثل مظهراً من مظاهر السعة والرحمة والغنى والثراء في ميدان الاجتهادات الفقهية. وليس هناك ـ لا في الماضي ولا في الحاضر ـ من قال إن الاختلافات الفقهية بين الفقه الجعفري وبين فقه المذاهب السنية، هي التي قسمت الأمة إلى شيعة وسنة. كما أن الاختلاف الفقهي بين الزيدية والسنة لم يمنع من اقترابهما الشديد وتقاربهما في إطار الأمة الواحدة. وكذلك الحال بين فقه الإباضية وغيره من المذاهب الفقهية الإسلامية. بل إن الاختلافات الفقهية بين الفقه الجعفري وبين فقه مذاهب السنة، لا تزيد كثيراً عن الاختلافات بين المذاهب السنية الأربعة ذاتها.
كما أن الاختلافات في هذه المذاهب الفقهية لا تضعف الكيان الواحد للأمة الإسلامية الواحدة، لأن ميدانها هو الفروع، أي فضاءات الاجتهاد، الذي لا يزال الناس فيه مختلفين، فاختلافاتها سنة وقانون إلهيّ لا تبديل له ولا تحويل. وهي تعدد واختلاف وتنوع في إطار الشريعة الإسلامية الواحدة، أي تنوع في الاجتهاد الفقهي في إطار الشريعة الواحدة، التي هي وضع إلهي ثابت. وتجاوزُ هذه الاختلافات الفقهية مستحيل... وتضييق فضائها بالتقريب من دون ضبط منهجي وحصر دقيق للأهداف، أمر بالغ الضرر، لأنه يعكس الخط البياني للسعة والرحمة، فيتجه به إلى الانكماش بدلاً من الامتداد.
وعندما تأخذ موسوعاتنا العلمية الفقهية المتخصصة وبعض الدول الإسلامية بالمذاهب الفقهية الثمانية ـ الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي، والجعفري، والزيدي، والإباضي، والظاهري ـ، وعندما يفتي الأزهر الشريف ـ على سبيل المثال ـ بجواز التعبد على المذهب الفقهي الجعفري، كمذهب فقهي إسلامي، ويعتمد تدريسه في معاهده وكلياته، فإننا نكون بإزاء نموذج صحيح لاحتضان تنوع الغنى والثراء الفقهي. وفي هذا النموذج تكون الحاجة إلى مزيد من توسعة فضاء الاجتهاد والاختلاف ـ عندما تكون هناك مبررات له ـ وليس إلى تضييق فضاء هذا الاختلاف، الذي هو ـ في الحقيقة ـ فضاء الاجتهاد والإبداع. ونكون في حاجة إلى تعميم هذا النموذج ـ أي احتضان موسوعاتنا وبلادنا الإسلامية للتنوّع الفقهي، والاستفادة من ثرائه الموروث والمعاصر جميعاً.
إذن، ما نحتاجه، في ميدان المذاهب الفقهية، ليس التقريب بين هذه المذاهب بالمفهوم الضيق وبالمعنى المحدود، وإنما هو سعة الأفق والتسامح الذي يحتضن جميع هذه المذاهب الفقهية الإسلامية وتنوّع اجتهاداتها في إطار وحدة العقيدة والشريعة والأمة.
لقد أوجب الإسلام الوحدة في الأصول، وجعل الاختلاف في الفروع نعمة تواكب بها الأمة المتغيرات في الواقع المتطور، والمستجدات في المصالح المتنوعة، عبر الزمان والمكان.
وهذه الأصول، التي أوجب الإسلام الوحدة فيها، هي "العقيدة" و"الشريعة" و"الأمة". ولقد أثمرت وحدة المسلمين في هذه الأصول الثلاثة وحدتهم في : "الحضارة" وفي "دار الإسلام". وفي إطار كل جامع من هذه الجوامع الخمسة، هناك تنوع وتعددية وتمايز في إطار وحدة الجامع.
ـ ففي إطار وحدة العقيدة، حدثت تصورات متمايزة في قضايا التنزيه والتشبيه، بسبب الاقتصاد أو التوسّع أو التوسط في العقلانية وفي التأويل.
ـ وفي إطار وحدة الأمة، تنوعت وتعددت الشعوب والقبائل والألوان والأجناس والألسنة واللغات ومن ثم القوميات.
ـ وفي إطار وحدة الحضارة الإسلامية، تعددت وتنوعت العادات والتقاليد والأعراف، التي تركت آثارها في التنوع الفقهي وخاصة في فقه المعاملات.
ـ وفي إطار وحدة دار الإسلام، تعددت، حتى في ظل وحدة الخلافة الإسلامية ـ الأوطان والدول والولايات والأقاليم.
وإذا كنا ـ بإزاء وحدة الأمة ـ لا نحتاج إلى إلغاء التنوّع في الألسنة واللغات والقوميات والشعوب والقبائل، وإنما إلى جعلها تنوعاً يغني وحدة الأمة، دون أن يُلغي تميّز القبائل في الإطار الوحدوي الجديد.
وإذا كنا ـ بإزاء وحدة دار الإسلام ـ لسنا بحاجة إلى إلغاء تمايز الأقاليم والدول الوطنية والقطرية والقومية، وإنما إلى تجاوز "نظام الوطنية الضيقة" الذي أخذناه عن الدولة القومية الغربية في أوروبا، لتصبح أقاليم عالم الإسلام ودوله الوطنية والقطرية تنوّعاً في إطار وحدة دار الإسلام.
إذا كان هذا هو حالنا بإزاء وحدة الأمة، ووحدة دار الإسلام، فإننا ـ بإزاء وحدة الأمة في العقيدة والشريعة ـ لسنا بحاجة إلى التقريب بين مذاهب فقه الفروع بالمفهوم المطلق، وإنما نحن بحاجة ماسة إلى توسيع هذا الفضاء، الذي لا تضر اجتهاداته وتنوعاته وتمايزاته بوحدة الأمة في الأصول.
والحاجة، كل الحاجة هي إلى توحيد الأمة في الأصول، لأن الخلاف في هذه الأصول هو الذي يمزق وحدة الأمة، لأن معايير هذا الخلاف ـ في الأصول ـ هي "الكفر والإيمان"، وليس "الخطأ والصواب". فالخطر على وحدة الأمة ـ تاريخياً وحاضراً ومستقبلاً ـ ليس في الاختلافات الفقهية، وإنما ـ إذا اعتصمنا بالحق، وتحلينا بالشجاعة ـ هو في الخلاف في الأصول، الذي أثمر ويثمر حواجز وموانع تهم "التكفير" و"التفسيق" و"التبديع".
وليس هناك خبير في العلوم الإسلامية، أو حتى باحث في تراث المسلمين، يستطيع أن يجد أي أثر للتكفير أو التفسيق أو التبديع في مذاهب الفقه الإسلامية. أما الميدان الذي أصابته "موانع الوحدة" هذه، فهو ميدان "المذاهب الكلامية"، ميدان "الأصول"، ولذلك، وجب التوجّه إلى هذه المذاهب الكلامية بمحاولات وجهود التقريب، بدلاً من صرف الأنظار و تبديد الجهود في التقريب بين مذاهب فقه الفروع.
إننا لا نجد المذاهب الفقهية الإسلامية قاطعة لوحدة الشريعة الإسلامية، ومن ثم ضارّة بوحدة الأمة الإسلامية.
والتقريب، بل الوحدة مطلوبة في "الأمة"، بالبعد عن التكفير لفرقاء الخلاف السياسي ـ الذي تحول عند البعض إلى خلاف عقدي وأصولي ـ حول "الإمامة". وهذا هو الميدان الحقيقي والأولى بالتقريب.
وتنقية مصادر علم الكلام ـ أصول الدين ـ من "النفي للآخر والتكفير" و"التفسيق" ـ لدى كل فرقاء "الفرق الإسلامية" وليس لدى "المذاهب الفقهية" ـ هو الميدان الأساس للتقريب الذي يجب أن توجه إليه الجهود بعد استكمال مراحل التقريب بين المذاهب الفقهية.
والبحث عن صيغ فكرية تنتقل بمسائل الخلاف هذه من "خانة الأصول"، التي يؤدي الخلاف حولها إلى "كفر وإيمان"، إلى "خانة الفروع"، التي معاييرُ الاختلاف فيها هي "الخطأ والصواب"، ميدانٌ أساسٌ للتقريب.
إن الاختلافات الفقهية، هي تنوع في الفروع، لا يفسد الود في وحدة الأمة، وهذا "المشروع" يؤكد ذلك كما في نصوص عديدة في ثناياه(7).
وتلك النصوص شاهدة على :
1. أن الاختلافات الفقهية التاريخية والحالية، هي نعمة وسعة وميزة تميز بها الإسلام، ويباهي بها الدنيا، وذلك فضلاً عن أنها سنة من سنن الله الدائمة حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
2. وأن الخلاف المرذول، الذي يمزق وحدة الأمة، هو ذلك الذي يشيع أحكام وتهم "التكفير" و"التفسيق" بين مذاهب الأمة وفرقها، وذلك عندما يفرق وحدة الأمة في الأصول والجوهر الثابت للإسلام.
لذلك، فإن على علماء الأمة وصفوتها وحكمائها، أن يعملوا على :
ـ رصد عوامل الوحدة بين كل مذاهب الأمة.
ـ وتحديد البـؤر الخلافية التي فرقت ولا تزال تفرق صـفوف الأمة.
ـ والتخطيط للانتقال بالخلاف حول هذه القضايا من إطار "الكفر والإيمان" إلى إطار "الخطأ والصواب".
ـ والتـخطيط لتنـقية تـراث المـذاهب الكـلامية الإسـلامية، وكـل مصـادر الــتراث للـفرق الإسـلامية المخـتلفة مـن أحكـام وتهـم "التكفير" و"التفسيق".
ـ والتخطيط لعدد من المشروعات الفكرية التي يسهم إنجازها في تكوين المرجعية الفكرية والثقافية الموحدة للأمة كلها لتثمر ـ في المدى المتوسط والطويل ـ وحدة الثقافة الإسلامية لكل مدارس الأمة وفرقها ومذاهبها وتياراتها
هوامش:
(1) سورة الأنبياء، الآية 92.
(2) سورة المؤمنون ،الآية 52.
(3) سورة الأنفال، الآية 46.
(4) سورة آل عمران ، الآية 103.
(5) استراتيجية العمل الثقافي الإسلامي في الغرب / المنظمة الإسلامية ـ إيسيسكو ـ.
(6) سورة الأنعام، الآية 153.
(7) انظر ص 44، 77، 78، 101، 104، 125، 135.
* مقتطفات من كتاب استراتيجية التقريب بين المذاهب الاسلامية الذي اصدرته المنظمة الاسلامية للتربية و العلوم و الثقافة
الإيسيسكو